الاثنين، ١٦ فبراير ٢٠٠٩

مشاهد من رحلة رفح _ المشهد الثالث


العدوان على غزة..عدوان على مصر


و نحن نجلس فى القاهرة ربما يفكر احدنا ان يحمد الله على ان الحرب بعيدة عن بلدنا و ربما يخرج لك احد الخبراء من القناة الاولى ليقول ان الرئيس بحكمته و اتفاقية السلام قد جنبا و اهلها ويلات الحروب و ان مصر آمنة .. و ربما تصدق هذا الكلام و لكن اذا ذهبت سيناء سواء فى العريش او فى رفح سترى صورة اخرى .. فقد كنت اركب مع سائق تاكسى فى العريش و فجأة سمعنا صوت سرينة سيارة الاسعاف و لكنها استمرت بعض الوقتففوجئت بالسائق و قد اضطرب جدا و أخذ يتساءل هل هى سيارة اسعاف ام طائرة فتعجبت طائرة فى العريش فأجابنى بأن هذا يحدث .. ففى بعض الاحيان تحلق الطائرات الاسرائيلية فوق سيناء و لكنى لم اصدق و لكن بعد عودتى سمعت من السياسيين و الصحفيين ان اتفاقية كامب ديفيد تسمح للطائرات الاسرائيلية بالتحليق فوق سيناء ..


المهم ان اهل سيناء يتحدثون عن مخاوف دخول اسرائيل سيناء .. قلت لأحدهم ان اسرائيل ليس لها رغبة فى سيناء , فرد بعنف " إسرائيل هتموت على شبر من سيناء" (و يبدو ان هذا الاعتقاد موجود عند كل اهالى سيناء)


و يعرف اهل العريش انه لا يوجد جيش على الحدود قادر على حمايتهم اما فى رفح فلا يكاد صوت طائرات الاستطلاع الاسرائيلية ((الزنانة)) يفارق سمعك و اذا ضرب صاروخ او قذيفة على رفح الفلسطينية فستهتز الارض من تحتك و سيدخل الرعب قلبك و ترى الزجاج يتناثر ... و من اهالى رفح من ترك رفح و استأجر شقة فى الشيخ زويد او فى العريش ليبعد عن آثار الحرب و بعضهم يترك بيته ليلا لأن الضرب الاسرائيلي لم يكن يهدأ بل كان يشتد ليلا فيشتد الاذى لأهل رفح .. فبعض البيوت قد تصدعت من جراء القصف.. اما من الناحية الاقتصادية فأغلب المحلات فى رفح مغلقة و لا تفتح الا عند عبور اهل فلسطين .. و سائقو السيارات يعملون بشكل اساسى على نقل الركاب من و الى المعبر و كل ذلك متوقف من شهور طويلة.. و المصدر الموجود الان للدخل هو الاتفاق مع من عنده نفق لغزة يهرب فيه السكر و الزيت و لكن ثمن مثل تلك الانفاق غالى فثمنها اعتقالات و احكام بالسجن و مداهمات امنية و طبعا اهالى رفح خاصة من يمكلون منازل بالقرب من الشريط الحدودى يعانون من المداهمات الامنية بشكل شبه يومى , فممنوع عليهم الصعود لأسطح منازلهم , ممنوع التصوير , ممنوع استقبال احد من زوار المدينة , لجان التفتيش فى كل شارع , حتى الترفيه فى رفح ممنوع فالشاطئ مغلق منذ انسحاب الجيش الاسرائيلى من غزة فى 2005 و لا يفتح إلا لأيام قليلة كل صيف و هو الآن مغلق منذ شهر يوليو 2008 و عليه قوات من حرس الحدود..


هذه بعض معاناة اهل رفح و العريش و سيناء و هذه اضرار وقعت على جزء من ارض مصر .... و هذا هو الامان الذى وفرته لنا اتفاقية السلام

الثلاثاء، ١٠ فبراير ٢٠٠٩

مشاهد من رحلة رفح_المشهد الثانى

الحدود مصطنعة

((الحدود مصطنعة)) كلمة اسمعها منذ الصغر و معناها ان الحدود بين الدول العربية ليست حدودا طبيعية بل هى حدود صنعها الاستعمار لتفتيت الدول العربية .. و لكن ليس من رأى كمن سمع ... فهذه اول مرة اعرف فعلا معنى هذه الكلمة و فى رفح تحققت كلمة (الحدود المصطنعة) بشكل واقعى عندما تقف فى الشارع فى رفح و تنظر الى اخر الشارع ستجد غزة و ترى المبانى و المآذن و غيرها من معالم رفح الفلسطينية و هذا معنى اخر يدل على اصطناع الحدود فهنا رفح و هناك رفح ايضا و هذه مصرية و تلك فلسطينية....
فى آخر اى شارع فى رفح (مثل بوابة صلاح الدين) ستجد سور بنى حديثا بعد حادث عبور الفلسطينيين إلى مصر منذ حوالى العام .. و كان قبل السور سلك شائك بسيط و قبل السلك الذى كان يفصل بين رفح و اخرى كان هناك سلك يفصل بين البيوت او كما يحكى اهالى رفح يفصل السلك بين اسكح البيوت و لكن بعد فترة هدم الاحتلال من جانب و مصر من جانب البيوت المتلاصقة و ارجعها الى الخلف.. و على شاطئ رفح لو مشيت على الرمل الاصفر فما هى غير خمس دقائق لتصل الى شاطئ غزة و الفرق بين الشاطئين كالفرق بين شاطئ سيدى بشر 1 و شاطئ سيدى بشر 2 فلن تعرف ان شاطئ رفح (المصرية) انتهى إلا اذا رأيت برميل دهن بعلم مصر لتعرف ان قد جاوزت الحدود...
فى رفح يصعب عليك التعرف على المصرى و الفلسطينى فالاثنان ملامحهما متشابهة و لهجة الكلام متشابهة و العائلات فى رفح او حتى فى العريش كلها لها اصول او اقارب فى غزة , و قد قابلت احد الشباب والده مصرى و عمه فلسطينى و باقى العائلة متداخلة, جزء يقيم فى العريش و جزء يقيم فى خان يونس.
التداخل بين الحدود وصل حتى إلى وسائل الاتصال الحديثة فما ان تصل الى رفح حتى تجد ان هاتفك قد وجد اشارة شبكة المحمول العاملة فى غزة و تجد رسالة من شركة المحمول ترحب بك فى فلسطين .. و بعض الاهالى فى رفح الفلسطينية نتصل بهم على ارقام محمول مصرية.. و كأن رسالة الترحيب من شركة المحمول الفلسطينية هى رسالة لنا بأنه عبر الازمان و مهما صنعنا من حدود فستظل الحدود مصطنعة و كاذبة .. و حتما ستزول لتعود وحدة الارض و الشعوب و المصير

الأربعاء، ٤ فبراير ٢٠٠٩

مشاهد من رحلة رفح


منذ حوالى العام حدث ان اقتحم الفلسطينيين السلك الشائك بين رفح المصرية و الفلسطينية و اصبحت الحدود مفتوحة بين البلدين و كانت فرصة لكثير من الشباب للذهاب الى رفح المصرية و العبور منها الى رفح الفلسطينية و وقتها عرض على بعض الاصدقاء ان ارافقهم فى رحلة الى رفح و لكن ظروفى الشخصية فى هذا الوقت لم تكن تسمح لى بترك القاهرة , هذا الى جانب انى بصراحة لم تكن عندى الحماسة الكافية لهذه الرحلة ... و مع حدوث العدوان الاجرامى الصهيونى على غزة , و جدت بداخلى دافع غريب للذهاب الى رفح على عكس المرة السابقة, و رغم ان الاصدقاء هذه المرة اخذوا فى تحذيرى من الذهاب إلا ان الدافع الداخلى كان اقوى و لا اعرف إذا كان هذا الدافع هو احساس بالندم على إضاعة فرصة الدخول إلى ارض غزة (ارض الرباط) ام كان الدافع هو احساس بالذنب عن عدم استطاعتى ان افعل شيئا من اجل شهداء غزة ام هو احساس بأنه يجب على ان اكون موجودا بجوار غزة وهى تضرب بما انى لا استطيع ان اكون داخلها ... ام هو حب استطلاع لمعرفة ما يحدث فى غزة او على الاقل على الحدود .
و كان القرار بالذهاب الى رفح .... و ذهبت الى رفح ... و كانت هذه المشاهد من رحلتى القصيرة لمدة 36 ساعة الى رفح "المصرية".



المشهد الاول
(مصر تحارب فلسطين)



و هذا اكثر المشاهد وضوحا فى رفح .. او قل هذا هو الاحساس الذى سينتابك و انت فى رفح ... ففى الطريق الى العريش او الى رفح ستجد تفتيش على البطاقات سواء كنت فى طريق الذهاب او طريق العودة و الغرض من التفتيش هو البحث عن فلسطينيين ليصبح نجاح المخبر فى الوصول الى فلسطينى فى السيارة ليقوم بانزاله و التأكد من اوراق اقامته و صحتها و ماذا يفعل بالضبط (باعتبار) ان وجود فلسطينى على ارض مصر هو امر غير عادى و مريب .. فالفلسطينى الموجود فى مصر هو فى الاساس متهم و هى رسالة لكل فلسطينى انه شخص غير مرغوب في وجوده فى مصر ...
و اذا وصلت الى مدينه رفح تجد المدينة حقا محصنة فهناك امن مركزى و جيش مصر الباسل و مباحث و مخابرات و امن دولة و غيرها من الاجهزة الامنية و المتاريس فى الشوارع و السؤال البديهى هو : هى مصر خايفة من اسرائيل؟ فتأتى الاجابه من اى واحد فى الشارع: لأ طبعا .. مصر خايفة من الفلسطين و ان الفلسطينيين يدخلوا مصر .. و كلما زاد الضرب على غزة و على رفح الفلسطينية (و هذا امر تستطيع ملاحظته بسهولة و انت تسير فى رفح) تزداد التعزيزات الامنية فى رفح المصرية تحسبا لدخول اى فلسطينى فارا من الحرب او الضرب او حتى طلبا للغذاء او الدواء و لعل هذا التصرف المصرى هو الذى ادى الى اشتباك الجيش المصرى مع مجموعة من الفلسطينيين الذين فروا من احدى الغارات الاسرائيلية الى رفح المصرية ليفاجئوا بالرصاص المصرى يستقبلهم فحدث الاشتباك الذى ادى الى مقتل شاب فلسطينى و ضابط مصرى... و طبعا ما تفعله مصر ضد الاتفاقيات الدولية التى تمنع اغلاق الحدود امام الفارين من الحروب .. فما بالك اذا كان الفارين هم اشقاء العروبة و الاسلام ؟!!
و عندما احببت ان انسى الحرب و احصل على صورة لغزة التى تظهر امام عينيك وجدت ان ذلك ممنوعا حتى انه اصبح ممنوعا على اهالى رفح انفسهم .. فقد يتعرضون للقبض عليهم اذا صور احدهم رفح الفلسطينية من داخل منزله مخافة ان تتسرب هذه الصور للصحفيين و ان يكون فى هذه الصرو ما يوضح الخراب و الدمار الذى خلفه الاعتداء الصهيونى على غزة .. و اذا ما تركنا رفح المدينة ذهبنا الى رفح المعبر تكتشف حقيقة ان كل ما يقال فى العلام المصرى الرسمى ((كذب)) فاهل غزة لا يريدون ان يقيموا فى سيناء بل سنجد اهل غزة الموجودن فى مصر يريدون ان يعبروا الى داخل غزة و هو يشاهد الطائرات الاسرائيلية تقصف بيوتهم ... ستكتشف ايضا ان المعبر لا يفتح الا عدد محدود من الساعات و انه لا يدخل من معبر رفح الا الدواء اما الاغذيه و حتى البطاطين و الملابس فلا يسمح بدخولها الا عن طريق العوجة او معبر كرم ابى سالم و هى معابر تحت سيطرة اليهود ولا تعرف لماذا تفعل الحكومة المصرية ذلك ... كنت هناك و شاهدت اعتصام الاطباء المصريين و العرب و اعتصام امناء النقابات الطبية بالعالم العربى و معهم امين اتحاد الاطباء العرب (د. عبد المنعم ابو الفتوح) و مصر ترفض دخولهم الى غزة لإنقاذ الحالات الحرجة التى لا يمكن نقلها و جاء وزير الصحة و رفض مقابلتهم فى البداية و بعد فترة وافق على مقابلة ممثل عن الاطباء (د. مدحت عاصم) لتسمع اغرب رد من وزير الصحة المصرى و هو ان اسرائيل لا تسمح بدخولهم مع العلم ان معبر رفح هو معبر مصرى فلسطينى و لا يوجد لاسرائيل اى علاقة بالمعبر لأن اسرائيل انسحبت من قطاع غزة منذ عام 2005 ..
(بالمناسبة بعد عودتى بيومين دخل بعض الاطباء الى غزة بعد الاذن طبعا).
اليست كل هذه المشاهد تشعرك بان مصر تحارب فلسطين ... لقد كنت متعجبا من المظاهرات التى امام السفارات المصرية و كنت غاضب من حرق العلم المصرى و لكن يبدو ان المصريين هم آخر من يشاهد او يعرف ما يحدث فى مصر .... لقد التمست لهم بعض العذر .. فالظاهر للعيان ان مصر تحارب فلسطين و الحكومة المصرية لم تقل او تفعل ما ينفى ذلك.. و لكن السؤال الآن لماذا تحارب مصر فلسطين و الفلسطينيين؟؟؟؟


كان هذا المشهد الاول و تتوالى المشاهد...

الجمعة، ٢٨ نوفمبر ٢٠٠٨

لماذا توقفت


توقفت منذ فترة عن طويلة عن التدوين و كان آخر ما دونته بوست عن وفاة والدى _رحمه الله_ و من يومها و انا امر بمرحلة غريبة جدا فى حياتى منها مدونتى التى انطلقت باسم "القصاص للجميع" فى وقت ابتلاء لى عندما اعتقلت عقب التعديلات الدستورية فى مارس 2007 و جاء الاعتقال فى ظروف شخصية و هى انى كنت قد خطبت منذ فترة بسيطة قبل الاعتقال و كنت اظن و ظن معى الكثير من الاصدقاء ان هذا ابتلاء كبير و لكنى فى الفترة الاخيرة اكتشفت انه ليس الابتلاء الاكبر و ان كان هو الظاهر امام الناس ... ففى الشهور الماضية شهدت ابتلاءات كثيرة يهون امامها ابتلاء السجن ... اهمها الابتلاء بفقد الاب الذى مهما كان كبيرا او مريضا فهو السند الذى لن يعوض شيئا فى الحياة غيابه و من بعدها بأيام قليلة كان خبر وفاة او قتل او قل استشهاد الاخ الاكبر و الصديق المهندس احمد جمعة الذى لقى مصرعه فى السودان اثناء محاولة انقلاب قام بها المتمردون فى ام درمان و توالت من يومها ابتلاءات شتى فى العمل و الرزق و البدن و الصحة و افتقاد الاحبة و غيرها.... و لن اقول انى كنت الصامد و لن ادعى البطولة فلا بطولة فى الابتلاء و لكنه الصبر و الايمان بالقدر الذى يعطيه الله هبة و رحمة من عنده لعباده لكى يتمكنوا من مواصلة الحياة ... فالحمد لله.

لكن الدرس الذى احاول ان اخرج به هو ان كل ماقد يمر به الانسان من ابتلاء هو ما يقوى ظهره و يزيد خبرته و هو فى كل الاحوال خير.... الامر الثانى ان هناك انواع من الابتلاء قد تصيب الإنسان و هو فى يوم ما لم يكن يتخيل ان تحدث له او يكون قد رأها عند غيره فكان يستغرب حدوثها او يستصغرها و قد يستغرب رد فعل الاخرين تجاهها حتى تحدث له فيعرف امكانية حدوثها و قوة تأثيرها و يعرف ايضا ان هناك اشياء صغيرة و لكنها كبيرة الاثر فى النفس و ان هناك ابتلاء خفى عن الناس و لكنه اقوى من الظاهر امامهم.

الامر الاخير الذى تعلمته انه لابد للحياة ان تستمر رغم ما قد يمر بالانسان من مصائب او معوقات او ابتلاءات و على الانسان ان يسعى لذلك بقدر استطاعته و ان يجعل حياته و حياة من حوله مستمرة.

لذلك اكتب اليوم فى محاولة ان تستمر حياتى و يستمر التدوين

الثلاثاء، ٢ سبتمبر ٢٠٠٨

ايه اللى حصل

البوست دة كتبه صديقى حاتم ثابت و طلب انى انزله عندى لانه معندوش مدونة
زمان و منذ فترة لا تتعدى الخمسة عشر عاما كنا احياء و كانت تسرى فى اوصالنا و فى مشاعرنا حرارة... فلن انسى ما حييت مظاهرات فلسطين او البوسنة او كوسوفو و لن انسى تلك الحرارة فى الاجساد و الشرر فى العيون الذى كنت المحه فى كل عين عندما تغتصب ارض مسلمة او يعتدى على حقها بشكل او بآخر و كنت ارى بعينى غضبة الاسلام و غضبة العروبة و الحياة فى العيون.
و اليوم انظر بعين الباكى إلى تلك الوجوه التى استسلمت تماما لطلب لقمة العيش و لظروف الحياة الصعبة و اصبحت عيونها بلا حياة فقط اشباه اجساد تخرج فى الصباح و تعود فى المساء.

و أتساءل يا احبابى ....
اليست العراق بلد مسلم .. ألم يحتلها العدو الامريكى.... ام ان العدو الامريكى اصبح هو الباب العالى للمسلمين و الخليفة الاوحد الذى يأتمر بأمره القاصى و الدانى.

أليست لبنان بلد مسلم عربى...

أليست فلسطين بلد مسلم عربى...

أليست السودان التى توجه اليوم تهم إلى رأس النظام فيها دون ان ارى تحركا حتى من الحركات الشعبية و الاحزاب المعارضة لكى تقول لهذا الهمج الدولى او الامريكى بمعنى اصح قف عند حدك ..
أليست دولة عربية.

لماذا هذا الانبطاح حتى على مستوى الشعوب و الحركات و ماذا حصل بنا...هل حدث تغيير فينا.. هل حق فينا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم ((حب الدنيا و كراهية الموت)) هل خلينا من كل احساس و من كل شعور؟؟؟

حياك الله يا حسن نصر الله .. لقد علقت على باب غرفتى كلمته التى قال يوم اخرج عن سمير القنطار احسست فيها ان هذا الرجل مازال حيا و فيه عرق ينبض (لقد ولى زمن الهزائم و جاء وقت الانتصارات).

الاخوة ممن سيقرأون المدونة و يعلقون عليها.. اريد حقا ان اعرف ماذا حدث فينا ... و لماذا استسلمنا للمخطط الامريكى الذى ينفذ يوما وراء يوم اننى احس و رغم انى فى العشرينات من عمرى اننى اصبحت فى الخمسينات او الستينات .
لقد ذهب عنى ذلك الاحساس الجميل بمدى تفاهة الدنيا و دينونتها, ذهب عنى ذلك الاحساس الجميل بحب الشهادة و التوق إلى لقاء الله و لقاء رسوله.

اخبرونى ماذا حدث لنا و كيف نستطيع العود بأمان إلى نفوسنا و حيويتنا.

الاثنين، ٣٠ يونيو ٢٠٠٨

رحل ابي.. رمز القيم الجميلة في مصر

البوست دة كتبه محمود اخويا من لندن و طلب منى انزله على المدونة...



قضى ابي السنوات العشر الاخيرة من عمره في صراع مع امراض الكلى. في البداية لجأ الاطباء الى العلاج بالادوية، لكن لما استفحلت المشكلات اضطر والدي الى اللجوء لغسيل الكلى ثلاث مرات اسبوعيا في ايام السبت والاثنين والاربعاء، وكانت كل جلسة تستمر من السادسة صباحا حتى العاشرة.
ورغم ان والدي بدأ في غسيل الكلى بعد ان تجاوز الخامسة والسبعين من العمر، ورغم كل ما في هذه الجلسات من مشقة وارهاق وآلام، وما يلزمها من عمليات فرعية وتحليلات وغيرها، لم اسمع والدي يوما يشكو من شدة المرض او يتضرر من قسوته وارهاقه، بل كان دائما صابرا محتسبا، ويتحدث عن المرض ومشكلاته، كما يتحدث عن غيره من امور الحياة، ببساطة وهدوء.
وما اتصف به والدي من جلد وقوة تحمل هو النتاج الطبيعي لرجل بتكوينه. فوالدي من جيل علماء الازهر الذي كان يقوم بدور قيادي على مختلف المستويات. على المستوى الاجتماعي كان والدي يقوم بتعليم ابناء قريته وارشادهم، بل والقضاء بينهم في كثير من الاحيان اذا وقعت بينهم خلافات.
وعلى المستوى السياسي كان هذا الجيل بين القوى الاساسية التي تقاوم الاحتلال البريطاني، وتنشط في المظاهرات والمؤتمرات سعيا للاستقلال. وهذا يعني ان اغلب ابناء هذا الجيل اعتادوا المقاومة والاعتزاز بالنفس، ومنهم والدي.
اضف الى هذا ان والدي كان ابن القرية الذي يعود اليها في الصيف يعمل في حقولها ويتحمل مشاق زراعة الارض، ويتنافس مع من يعملون معه، كما كان يروي لنا، في انه على الرغم من كونه الشيخ المتعلم الذي يقضي شهورا بعيدا عن الارض، الا انه يستطيع ان يسبقهم في الري او الجني او غيرهما من اعمال الزراعة.
هذا هو تكوين والدي رحمه الله: حمل معه الدور القيادي والاجتماعي لجيله من مشايخ الازهر، وحمل معه قوة وصبر الفلاح المصري، وانعكس هذا التكوين على مختلف ادوار حياته حتى توفاه الله.
كان والدي بالنسبه لاسرته الممتدة في محافظة كفر الشيخ "رئيس مكتب رعاية المصالح" كما كنت اطلق عليه، فهذا يأتي لمنزلنا وهو يطمح ان يساعده ابي في توظيف ابنه، وهذا يسعى لانقاذ ابنه من التجنيد في منطقة نائية، وثالث يسعى لالحاق ابنه بكلية الشرطة او الكلية الحربية، وآخرون وقعوا في خلاف ويوسطون ابي في الحكم بينهم. وكان ابي يفعل كل ما يستطيع لمساعدتهم. باختصار كان ابي عميد الاسرة، الا ان محل اقامته في القاهرة!
وعلى الرغم من ضيقي من الجحود ونكران الجميل من جانب بعض افراد الاسرة، الا ان والدي كان مصرا على القيام بدوره باعتباره، ببساطة، واجبه الذي يجب ان يقوم به، والجزاء من الله سبحانه وتعالى كما كان يقول.
اما في عمله في شركة المحاريث والهندسة، والذي استمر اكثر من 35 عاما، فكان الاداري الحازم الذي يحظى باحترام وتقدير الجميع. وتم اسناد ادارة بعض الفروع والادارات اليه بعد ان استفحل فيها الفساد، وكان المسؤولون عن الشركة يريدون رجلا نظيف اليد حسن السمعة فكان والدي.
اما بين ابناءه فقد ربانا على الانضباط والحزم، وفي نفس الوقت حرية اتخاذ القرار بعد التوجيه. ربانا على مبادئ الاسلام الجميلة السمحة دون تشدد او تعصب، ويكفي ان اذكر، تعبيرا عن تسامحه، ان الطبيب الذي اشرف على ولادة ابناءه الثلاثة كان قبطيا، وان بعض اقرب زملاءه في العمل كانوا اقباطا، وكانوا يترددون على بيتنا باستمرار، ويأتمنون والدي على ادق اسرارهم.
وفهمت اكثر عمق تسامح والدي بعد ان عملت في اوروبا، ورأيت كثيرين يعانون من قسوة العنصرية والتمييز ممن يحملون مشاعر شديدة العداء لمن يختلفون عنهم في الدين او العرق.
ومرت السنوات علي في الغربة، كان ابي دائما يمثل بالنسبة لي القيم الجميلة في مصر: الايمان والصبر والشهامة والكرم ومساعدة المحتاج والاعتزاز بالنفس والاعتزاز بالاسرة.
لم يتوقف ابي عن اداء دور "عميد الاسرة"، ولم يتوقف عن القاء خطبة الجمعة حتى وفاته، ولا تفسير عندي لكل الهمة والحيوية التي كانت تصاحبه يوم الجمعة، وهو في الثمانين من العمر، الا انها تيسير وتوفيق من الله.
لم يتوقف والدي عن تقديم الاستشارات في الدين والحياة لكل من يطلب، من جيران واصدقاء واقارب، حتى وفاته. ولهذا لم يكن مستغربا هذا الجمع الكبير من المحبين الذي احتشد في عزاءه.
لا اصدق ان نحو شهرين قد مرا على وفاته، فقد توفاه الله يوم 2 مايو 2008، ولم استطع ان اكتب عنه شيئا خلال هذين الشهرين نظرا لشدة حزني اذ انني لم اكن معه لحظة وفاته، لكن هذه هي الدنيا لا تدوم لاحد.
ادعو الله ان يرحمه، وارجو من كل من يقرأ هذا المقال ان يدعو له.

الثلاثاء، ٣ يونيو ٢٠٠٨

أبى فيلسوف البساطة


فى يوم الجمعة 2\5 و فى وقت اذان الجمعة كان موعد لقاء ابى بربه
و قد وصفت امى هذه الوفاة انها تمت ببساطة, نعم.. ففى لحظات تمت الوفاة و بلا مقدمات واضحة و كأن الوفاة البسيطة ما هى إلا تتويج لحياة ابى البسيطة, فأبى يحمل تاريخ المواطن او قل الوطن المصرى.. فقد عاش ابى اكثر من ثمانين عاما..

عاش الملكية بطحنها للفقراء و حريتها السياسية و خرج فى مظاهرات تهتف بسقوط الملك...
و عاش الثورة و فرح بها و انكوى بقيدها و ديكتاتوريتها ...
وعاش نصر 73 و طحنه الانفتاح برحاه مع من طحن من موظفين القطاع العام...
وعاش عصر مبارك و شهد سرقة البلد و تمنى ان يرى نهايته كما رأى نهاية من قبله لكن القدر لم يمهله فتوفاه الله قبل ان يسرق مبارك معاشه و تأمينه الصحى.

كان هدف ابى فى حياته مثل كل مواطن مصرى بسيط ان تستمر الحياة رغم كل الصعاب و رغم كل القهر.. هدف بسيط لكنه عبقرى.. فالعبقرية فى البساطة و لا يشعر بعبقريته الا من ذاق قهر النظام فى بلدنا....
عاش باهداف بسيطة و ادوار بسيطة و لكنها عظيمة و اداها فى سهولة و يسر و نجح فيها, أبى لم يعرف يوما المظهرية او الزخارف الدنيوية و لكنه عرف ان له دور هو و هو ان يستطيع ان يوفر الستر و التعليم و التربية الحسنة لأبناءه حتى يصل بهم الى بر الامان و بر الامان عنده هو ان يكون كل واحد من ابناءه قادر على تحمل مسئوليته.
برع ابى فى التربية و كان مضرب المثل للأبوة فكان يتمتع بحنان الاب و بحزمه و اعطاؤه الحرية لأبناءه فى الاختيار بعد التوجيه و النصح...
لكن لعل ما قلته يشترك فيه ابى مع غيره من مواطنى مصر البسطاء و لكن ما سوف اقوله اظنه مختلفا, فقد كان لأبى دور اجتماعى كبير شعرت به يوم عزاءه عندما جاء إلينا القريب و البعيد يحمد لأبينا ما فعله معه, فهذا عينه ابى فى وظيفة ما و هذه اصلح بينها و بين زوجها و آخر ارشده كيف يربى ابنه و رابعا ساعده سرا (جمعية خيرية متنقلة بلا مقر ولا لافتة او اعلان.. هكذا كان ابى)

و الامر العجيب هو تفهمه لكونه خريج ازهر.. فكان يقول ان خريجى الازهر هم علماء الامة و يجب ان يكون لهم _و قد كان له_ دور... فمنذ ان كان طالبا و انشئ مسجد قريته, خطب فى الناس و علمهم دينهم و فى فترة الستينات عندما ضيق على الخطابة ظل يمارس دوره فى عمله و اسرته و جيرانه و ما لبث ان عاد إلى الخطابة فحتى وفاته و قد تجاوز الثمانين كان حريصا على خطبة الجمعة, حتى اختار الله وقت الخطبة و هو الوقت الذى يحبه ليكون وقت وفاته و لقاء ربه ليموت ببساطة و يغسل و يدفن بسهولة و بساطة كما كان يتمنى....و ليترك نموذجا فى العبقرية و الفلسفة و البساطة.